علي بن أحمد المهائمي
680
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
سواء في عدم المشاهدة في زعمهم ، ( فكان غرض خالد عليه السّلام ) بالإخبار عما هناك بعد الموت ( إيمان العالم كله بما جاءت به الرسل ) ؛ لأن حياته بعد الموت أقوى معجزة عند العامة ، وإخباراته تكون عن مشاهدة يعترف بها الكل ، فلا يبقي في معجزته شبهة الالتباس بالسحر ، ولا في إخباراته شبهة عدم المشاهدة لأحد ، فتطمئن قلوبهم إلى أخباره وإلى ما وافق أخباره أخبار الأنبياء - عليهم السّلام ، فيقع التصديق للكل به وبهم عليه السّلام ، وإنما كان غرضه ذلك ؛ ( ليكون رحمة للجميع ) ، وإن لم يبعث إلى الجميع ، لكن عد نفسه من أتباع محمد عليه السّلام وإن تقدمه زمانا ، ( فإنه لشرف قرب نبوته من نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، فكأنه مقارن له في الزمان ، فيجوز أن يكون له حكم المتابع له . ( وعلم أن اللّه أرسله رحمة للعالمين ) ، فيجوز أن يكون لمتابعة نصيب من هذه الرحمة سيما من كان نبيّا ، ( ولم يكن خالد برسول ) حتى تمنع رسالته من متابعته ، إذ يكون الرسول صاحب شرع مستقل بخلاف من يمحض نبيّا ، ( فأراد أن يحصل من هذه الرحمة في الرسالة المحمدية على حظ وافر ) ؛ لأن حظ النبي في متابعة الرسول أوفر من حظ سائر المتابعين ، وقد صار في حكم المقارن له حيث ( لم يؤمر بالتبليغ ) قبل الموت ، فكأنه لم يكن نبيّا أيضا ، فهو أولى بالتبعية ؛ ولذلك لم يعتبره نبيا عليه السّلام ، فقال : « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ، فإنه ليس بيني وبينه نبي » « 1 » . ( فأراد أن يحظى بذلك ) الحظ الوافر من الرحمة الجامعة في الرسالة المحمدية ( في البرزخ ) الذي يكون بعض أجزاء مدته مفاوتة لزمان بعثة نبينا عليه السّلام ، وإنما المراد ذلك ؛ ( ليكون أقوى في ) إفادة ( العلم ) في ( حق ) عامة ( الخلق ) حتى أن يكون أقوى في حقهم من معجزات نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن في بعضها أمور دقيقة لا يطلع عليها إلا الحاذقون بالحقائق لأرباب الفطانة البتراء كالقرار ؛ ولذلك قال فيه بعض أرباب هذه الفطانة البتراء : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، ( فأضاعه ) عطف على قوله : فأراد ، الأخير ( قومه ) بأن لم ينبشوا عنه كما قال عليه السّلام لابنته ، وكان حقه أن يقول عليه السّلام لها : ضاعوا ، إذ الأنبياء لا يضيعون بل تحصل لهم الدرجات العالية ، وإنما يصير القوم ضائعين بتضييعهم وصاياهم ، ولكن لم يصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قومه بأنهم ضاعوا ؛ لأنهم كانوا أصحاب إيمان به وبالرسل وإخباراتهم ، ( وإنما وصفهم بأنهم أضاعوا نبيهم حيث لم يبلغوه مراده ) من إظهار النبوة البرزخية ، وإفادة العلم القوي للعامة بإخبارات الأنبياء - عليهم السّلام ، وإيمانهم ، وحصول الحظ الوافر من الرحمة الجامعة المحمدية له ، وإذا كانوا مضيعين له لعدم إبلاغهم مراده ، ( فهل بلغه اللّه أجر أمنيته ) ، أي : نيته وقصده ، ( فلا شكّ ) لأهل الكشف ( ولا خلاف ) بين أهل الظاهر في ( أن له أجر
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1270 ) ، ومسلم ( 4 / 1837 ) .